الحلبي
133
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفيه أن الذي تقدم عن الخصائص أن المراد بهذا الأذان الذي أتى به الملك الإقامة لا حقيقة الأذان ، أي ويدل لذلك أن الملك قال فيه « قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، فقال اللّه : صدق عبدي ، أنا أقمت فريضتها ، ثم قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تقدم ، فأمّ أهل السماء فيهم آدم ونوح » . قال بعضهم : والأذان ثبت بحديث عبد اللّه بن زيد بإجماع الأمة لا يعرف بينهم خلاف في ذلك ، إلا ما روي عن محمد ابن الحنفية . وعن أبي العلاء قال : قلت لمحمد ابن الحنفية : إنا لنتحدث أن بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه ، قال : ففزع لذلك محمد ابن الحنفية فزعا شديدا ، وقال : عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنه إنما كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه تحتمل الصدق والكذب ، وقد تكون أضغاث أحلام ؛ قال : فقلت له : هذا الحديث قد استفاض في الناس ، قال : هذا واللّه هو الباطل ، ثم قال : « وإنما أخبرني أبي أن جبريل عليه الصلاة والسلام أذن في بيت المقدس ليلة الإسراء ، وأقام ، ثم أعاد جبريل الأذان لما عرج بالنبي صلى اللّه عليه وسلم إلى السماء فسمعه عبد اللّه بن زيد وعمر بن الخطاب . وفي رواية عنه أنه لما انتهى إلى مكان من السماء وقف به وبعث اللّه ملكا ، فقيل له علمه الأذان ، فقال الملك : اللّه أكبر ، فقال اللّه : صدق عبدي ، أنا اللّه أكبر ، إلى أن قال : قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة . وفيه ما علمت أن هذه الإقامة لا الأذان ، وقد ردّ عليه بأنه لو ثبت بقول جبريل لما احتاج صلى اللّه عليه وسلم إلى المشورة ، والمعراج كان بمكة قبل الهجرة . والأولى أن يتمسك ابن الحنفية بما يأتي عن بعض الروايات ، من قوله صلى اللّه عليه وسلم لعبد اللّه « قد سبقك بذلك الوحي » وكونه أتى بالبراق إلى الحجاب هو بناء على أن العروج كان على البراق وتقدم ما فيه . ويحتمل أن يكون هذا عروجا آخر غير ذلك ، وحينئذ لا يخالف هذا ما تقدم أنه لما أسري به أذن جبريل وتقدم ما فيه ، ولا ما جاء عن عليّ رضي اللّه تعالى عنه « مؤذن أهل السماء جبريل » لجواز حمل ذلك على الغالب ، وحينئذ لا يخالف أيضا ما جاء « إسرافيل مؤذن أهل السماء ، وامامهم ميكائيل عند البيت المعمور » وفي لفظ « يؤم بالملائكة في البيت المعمور » ولعلّ كون ميكائيل إمام أهل السماء لا يخالف ما جاء عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها « إمام أهل السماء جبريل » لما علم ، وجاء « إن مؤذن أهل السماء يؤذن لاثنتي عشرة ساعة من النهار ، ولاثنتي عشرة ساعة من الليل » . أقول : وفي النور لو رآه أي الأذان ليلة الإسراء لم يحتج إلا إلى ما يجمع به المسلمين إلى الصلاة . ويردّ بأنه لم يكن يعلم قبل هذه الرؤيا أن ما رآه في السماء